ابن كثير
96
السيرة النبوية
وقال موسى بن عقبة : ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزقة المدينة إذا النوح والبكاء في الدور قال : " ما هذا ؟ " قالوا : هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم فقال : " لكن حمزة لا بواكي له " واستغفر له . فسمع ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وعبد الله بن رواحة ، فمشوا إلى دورهم فجمعوا كل نائحة باكية بالمدينة ، فقالوا : والله لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عم النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة . وزعموا أن الذي جاء بالنوائح عبد الله بن رواحة ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما هذا ؟ " فأخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم ، فاستغفر لهم وقال لهم خيرا وقال " ما هذا أردت ، وما أحب البكاء " ونهى عنه . وهكذا ذكر ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير سواء . قال موسى بن عقبة : وأخذ المنافقون عند بكاء المسلمين في المكر والتفريق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحزين المسلمين ، وظهر غش اليهود ، وفارت المدينة بالنفاق فور المرجل . وقالت اليهود : لو كان نبيا ما ظهروا عليه ولا أصيب منه ما أصيب ، ولكنه طالب ملك تكون له الدولة وعليه . وقال المنافقون مثل قولهم ، وقالوا للمسلمين : لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذين أصابوا منكم . فأنزل الله القرآن في طاعة من أطاع ونفاق من نافق وتعزية المسلمين ، يعنى فيمن قتل منهم فقال : " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم " الآيات كلها - كما تكلمنا على ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة .